رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الثاني والعشرون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الثاني والعشرون

رواية تحت الغطاء الأسود الجزء الأول للكاتبة مينار الفصل الثاني والعشرون

مرت ايام اخرى اكتفيت بِعدها و تركتها تمضي. مازلت لا اتكلم مع لوثر، لأنني اعلم اِن فعلت فَسوفَ تشتَعِل الشرارة بيننا من جديد.
احياناً قد أراه في الحديقة التي تُطِل عليها شُرفة غرفتي.
أراه يتمشى ضائع بِأفكاره او يجلس على المقعد اسفل شجرة الصفصاف الذي تحول لونها الى الأبيض بِسبب قدوم فصل الشتاء القريب و يُحَدق إما بالبركة امامه او القمر الكبير الذي يغطي السماء في الأعلى.

في تلك الفترة التي بقيت فيها في غرفتي لا اخرج، كنت مُستَلقية على سريري اقرأ كِتاباً و اتخيل كلِمات الكاتب الجميلة التي تُرسم خياله الى حقيقة في عقلي.
فجأة سمعت صوت دقات خفيفة على الباب، رفعتُ رأسي من على وِسادتي انتظر دخول من يطرقه، لكن لم يدخل احد.
في العادة جيانا أو أحد الخدم من يطرق الباب قبل ان أسمح لهم بالدخول.

هذه المرة قبل ان افتح فمي و أسمح لِمن يقف خلف الباب بالقدوم، سمعت صوت لوثر يتكلم بِصوت هادئ جداً كالهمس. امسكتُ فمي و بقيت صامتة اسمع ما يقوله لي.
تاليا، هل يمكنكِ الخروج قليلاً كي نتكلم؟
لم اجيبه، مازلت صامتة كالتي لا تملك اذان تسمع.
تاليا، ارجوكِ اخرجي، يجب ان نتحدث و لو لدقيقة واحدة.
هو قال مجدداً، لكن بِنبرة حزينة قد جعلت من مشاعري و افكاري في حرب.
تاليا--.

قبل ان يكمل، رميت الكتاب من يدي على السرير بِجانبي و حملت الوِسادة ثم و ضعتُ رأسي اسفلها كي اغلق اذاني كلياً و اتفادى صوته.
لا اعلم لِكم من الوقت بقيت في تلك الوضعية و لا اعلم لِكم من الوقت بقية هو في الوقوف خلف باب غرفتي يتكلم مع نفسه، لِذلك قررت ان أغلق عيناي مثل اذاني و انام كي انسى وجوده ولو لِلحظات لن تدوم.

تيلار تصرفت معي مثل كل مرة منذ ان قابلتها، مزعجة و ألم في الرقبة و انا في اليد الاخرى فعلت المثل.
انا تظاهرت بأن الحديث الذي حدث بيننا انا وتيلار عن شجاري مع لوثر لم يحدث و هي لم تفتح معي الموضوع مجدداً.
في هذه الايام ايضاً عدت للذهاب الى الحديقة الوردية بِأستمرار.
في كل مرة اذهب ارى ذلك الطفل اللطيف و ذلك الشاب الذي يرافقه دوماً.

اصبح وجودي في الحديقة روتين يومي، اذهب الى هناك في كل صباح و أراهم في نفس المكان في الجهة الاخرى من البحيرة.
لا أَكُف عن مشاهدة الطفل يلعب مع الكلب، اِن ضِحكاته تجعلني سعيدة جداً، انني استمتع بِمشاهدته و سماع صوته الصغير يطفو في الهواء و يصل لي كالموسيقى.

و ذلك الشاب، مازال مجهول الهوية بالنسبة الي، الامر الأغرب انه لا يرتدي اِلا الملابس البيضاء في كل مرة أراه فيها. يبدو انه حقاً مهووس باللون الابيض.
اصبحت اتمنى ان اراه يرتدي لون مختلف، ضحكت قليلاً على الفكرة. في كل يوم أراه فيه، نفعل شيء وحيد لا امل من فعله، هو ينظر لي من بعيد، يبتسم ثم يومئ بِرأسه يلقي التحية و انا افعل ما يفعله تماماً، انظر له ابتسم ثم اعيد التحية له.

كما قلت لكم من قبل، أصبح روتين يومي. لم اخبر احداً عن هذا، و لو حتى تيلار التي اخبرها تقريباً كل شيء.
اردت ان ابقي هذا الأمر سري الصغير الذي يسعدني و ينسيني ما يحدث معي من مشاكل.
بالنسبة لكم قد يبدو شيء سخيف و لا يستحق الاهتمام، لكن بالنسبة إلى انه كل ما احتاج حالياً الى ان اجد طريقة اغير حياتي فيها و يلهيني عن ما يؤلمني من الداخل.

اليوم و في قت متأخر، عدت مع أدلار الحارس الى المنزل بعد قضائي ساعات في الحديقة الوردية. ودعتُ أدلار امام الباب ثم اكملت طريقي الى الداخل متجهة الى الدرج الكبير الذي يوصلني لِغرفتي في الاعلى مع باقي الغرفة.
مررت من جانب غرفة الجلوس لِأرى ان الاضواء فيها ليست مُطفئة كَكُل يوم، لأن لوثر توقف عن الجلوس فيها لفترة. لكن الان احسست انه موجود بِداخلها لأنني استطيع سماع صوت الخشب يشعل في المدفئة.

تجاهلت الغرفة و اكملت طريقي. وضعت قدم على اول الدرج كي اصعد، لأسمع صوت لوثر ينادي بِأسمي.
تجمدتُ بمكاني كأن احداً ما يمسكني. سمعته ينادي بأسمي مرة اخرى، لكن بِنبرة اقوى كأنه يأمرني.
في تلك اللحظة فكرت مئة مرة، هل يجب ان انصت له و اذهب اليه، ام فقط اتجاهله و اعود لِغرفتي و اقفل الباب. و كالعادة غبائي اقوى من حكمتي، لهذا عدتُ ادراجي و اتجهت الى غرفة الجلوس.

اول شيء رأيته هو لوثر جالس على الكرسي المفضل لديه، لكن ما صدمني و جعلني أقف بِمكاني لا اتحرك، هو شكله، انه يبدو متعب كثيراً، عيناه ناعسة و حمراء و اسفلها اكياس سوداء من قلة النوم.
شعره يبدو اطول من قبل غير مُمَشط و كل خصلة في جهة مُبعثرة.
انتبهت انه اضعف، اعني اصبح نحيف كأنه لم يأكل لِأيام. عِظام وجهه بارزة اكثر، جسده الذي كان يدهشني شكله و عضلاته الكبيرة، لم اعد موجودة تحت ملابسه الفضفاضة.

ما خطبه؟ لماذا يبدو بهذا الشكل المرعب؟
انا سألتُ نفسي.
شكله كالمريض، جزء مني شعر بالشفقى عليه و اكثر من ذلك، الندم، هو بهذا الشكل بِسببي.
اين كنتِ طيلة الوقت؟
هو سألني بِبرودة جعلت من جسدي يقشعر.
اخذتُ نفساً من انفي كي اهدأ و اجيبه بِطريقة لا تجعله يغضب بما انه الان اصبح لا يتحكم بِغضبه.
كنتُ في الحديقة الوردية التي اذهب اليها كل يوم. لما تسأل؟

رفع هو حاجِباه للأعلى كأنه لم يقتنع بِكلامي ثم سألني مُجدداً
حقاً؟، في العادة تعودي أبكر من هذا الوقت. ما الذي أخرك اليوم؟
هل هو جاد؟
ما هذه الاسئلة التي ليس لها معنى الان؟
شابكتُ ذراعي امام صدري اتكأت على قدم اكثر من الثانية ثم اجبته
ما شانك انت؟ منذ متى و انت تسألني اسئلة كهذه؟ ولماذا تبدو بحالة مُزرية؟

ابتسم لوثر ابتسامة لم تصل للعينين خبيثة ثم قال لي واضِعاً كِلا يديه على مساند الكرسي في كِلا الطرفين يبدو كالمتحكم
اعتقد انكِ تعرفي السبب تاليا.
لا تلومني على خطئك.
انا قلت له بِبرودة تشابه برودته.
خطئي؟ كيف له ان يكون خطئي؟ كل الذي فعلته هو اخبارك عن مشاعري و انني اريدك. لم ارتكب اية خطأ.
هو قال بِصوت كالسم.
ما الذي يحدث لك؟ لماذا تتصرف معي بتلك الطريقة؟

انا سألته بعد ان رأيت انه لن يتكلم، فقط يكتفي بالتحديق لي بتلك العيون المظلمة التي اصبحت اخاف منها اكثر من اية شيء.
تَسألينني أسئلة تعرفي اجوبتها تماماً و ها انتي من جديد تلعبي دور المظلومة بيننا.
هو اخبرني.
رفعتُ حاجب بِتسائل على كلامه ثم نفختُ الهواء من فمي احاول ان استوعب كلامه و كي اتفوه بِجواب لا يدمر ما بقي من تفاهم بيننا، هذا اذا بقي شيء من الأساس.
اسمعني--
اوقفني هو بسرعة قبل ان اكمل و قال.

لا! انتِ اسمعيني،
وقف فجأة على اقدامه بِسرعة بعدها اخذ خطوة صغيرة الى الامام.
انا ردت فعلي كانت ان اخذ خطوة الى الخلف، لا اريد ان يعيد الكرى و يفعل مافعله معي ذلك اليوم.
ارجو، ارجوك لا تقترب مني. انا قلت له بِصوت متقطع.
حاولت ان اوقف نفسي من الشعور بالخوف، لكن يداي بدأو بالرجف و التعرق.
هل تعلمي؟ انا مازلت لا اصدقك عندما اخبرتني انكِ لا تملكِ مشاعر اتجاهي.

اخذ هو خطوة اخرى إلى و انا اخذت خطوة الى الخلف.
مازلت افكر و افكر كل ليلة بِكلامك و تصرفك ذلك اليوم في المكتب.
اكمل هو كلامه بِهمس مع كل خطوة يأخذها بِأتجاهي.
انا اصبحت اخذ خطوتان الى الوراء و انظر من حولي احاول ان ارى ان الباب مفتوح جيداً كي اهرب منه بسرعة.
انا لا اريد ان أؤذيكِ تاليا، لهذا لا تخافي، انا فقط مكسور من الداخل، مخدر لم اعد اشعر بِشيء.
كلامه هذا جعلني اتوقف و احدق به بِتعجب.

لم اعد ارى سبب هروبي منه بما انه يتكلم الأن، يريد مني اجابة و انا كان يجدر بي ان اعطيه اِياها منذ البداية كي اتفادى رؤيته بِهذه الحالة، كي اتفادى خوفي منه كالجبانة بدلاً من مواجهته.
رفعتُ يدي اليمنى و وضعتها على صدري كي اشعر بِدقات قلبي القوية الأن، كي اشعر بِوجود امي هناك تسمعني و تعرف كيف اشعر حقاً.
صوتها في عقلي كالصدى يخبرني ان لا اهرب منه، ان ابقى و ابصق الحقيقة في وجهه.

لذلك فعلت، رفعتُ رأسي اليه و نظرت له بالعينين اريه انني لا اخافه، لا اهتم لما يريده و لن اطيعه، لأنني لستُ من احد خدامه، لستُ عبيدة عنده، لست لعبة يحركني كما يريد و متى يريد.
ماذا تريد لوثر؟
انا سألته نفس السؤال الذي سألته اياه في المكتب ذلك اليوم. اريد ان ارى ان ما اجابته قد تغيرت.

انا اذكر انه سَكَت كأن القط اكل لسانه، كان يتفادى النظر في عيوني. نظر لي هو الأن بِعيون مليئة بالحيرة و بشيء لم اعرف ما هو، بعد التفكير مليان، اعتقد انني اعرف الأن كيف عيونه تخبرني بما لا اريد ان اسمعه من فمه.
انا، انا،
هو قال من جديد، يتفادى نظراتي له و يحدق بالارض كأنني سألته اصعب سؤال في العالم.

اقتربت انا منه ثم اخذت يده التي امسكتها في مكتبه، التي اخذت كل تفكيري عندما ظننت انها مصابة. لم استطع ان انام جيداً الى ان علمت انها بخير.
رفعتُ يده الى مستوى وجهي و قلت له
ها انت تتجاهل سؤالي و لا تنظر في عيناي مرة اخرى كالمرة السابقة. لكن، انا اعلم ما الذي تريده مني.
وضعتُ يده على صدري فوق قلبي الذي لم يعد ينبض بِجنون في كل مرة اكون حوله. رفع رأسه و نظر لي بِتفاجئ من تصرفي.

انت لا تريد هذا الذي بِداخلي،
توقفت عن التكلم بعدها ابعدت يده من على صدري و رفعتها الى وجهي اضعها على خدي.
انت تريد ما لم استطيع ان اعطيك اياه من سنتين.
الان اصبحت اشعر بِتوتره و اصبحت اراه يتحرك بِمكانه لا يعلم ماذا يفعل في هذه اللحظة، لكنني اكملت كلامي و اكملت مفاجئته.
تاليا ما--
هو قال، لكن تصرفي التالي جعل من عيونه تتوسع اكثر.
ابعدتُ يده من على خدي و انزلتها الى شفتاي.

هذا الذي تريده، هذا الذي كنتَ ترغب به منذ ان اصبحنا قريبين من بعضنا. هذه الشفاه، هذا الجسد، صحيح؟
انا في داخلي اغلي كالماء على النار، اتخبط كالزلزال و الأعصار. ما جعلني اكثر غضباً هو صمته القاتل...
عيونه التي لم تعد تملك مشاعر تجعلني دافئة من الداخل، تجعلني مطمئنة انني مع شخص يهتم لي و يحميني. انا استسلمت.

لم اعد املك املاً يخبرني انه سوف يتغير و يعود كما كان من قبل. ذلك الشاب صاحب الوجه المشرق و البسمة الجميلة. حدقت به بِعيون خالية، ثم دفعت يده من يدي بِقوى جعلته يهتز و يبتعد عني.
هو المكسور؟ هو المخدر؟
انا التي اصبحت الان متأكدة تماماً من مشاعره و رغباته الحقيقة، انه شخص سافل لا يستحق نظرة الاحترام التي يرميها له الجميع.

اخذت انظر له لِأخر مرة انتظر منه ان يتفوه بِكلمة تجعلني اتراجع عن افكاري، تجعلني اعود اليه و افتح له قلبي و ابعد عنادي جنباً، لكنه لم يتكلم ابداً، بقيت عيونه تحدق بالارض و رأسه منحني.
لهذا التفتت و ذهبت بِخطوات كبيرة اعود الى غرفتي. كل خطوة اخذها تشعرني كأنني امشي فوق حجارة و زجاج، كل خطوة ابتعد عنه بها تجعل من قلبي ينبض بِطريقة مؤلمة لم اعد اتحملها.

فتحت باب غرفتي عندما وصلت، و اغلقته بقوى. اقفلته مرتان و دموعي كالشلال على وجنتاي.
لم أعد اتحمل ابداً، لم أعد اشعر بِجسدي، لهذا جلست على الارض اعانق نفسي و ابكي ثم ابكي ثم ابكي الى ان جفت دموعي.
لو اجاب على سؤالي ذاك بالحقيقة، لكنت قد غيرت رأي حقاً. يبدو انني لن اصبح سعيدة في حياتي.

في كل مرة اخبر نفسي انني سوف اصبح اقوى، سوف اتخطى هذه الصعاب و ابتعد عن ما يؤلمني و يتعبني، لِأتفاجئ بموقف اسوأ من قبله يدمر الحوائط التي بنيتها كي احمي نفسي من كل شيء حولي.
هواء بارد لطيف قد دخل غرفتي و لامس جسدي المكشوف من الاعلى، جعلني ارفع رأسي و انظر الى الستائر المعلقة تطير بسبب الهواء و انظر الى ابواب الشُرفة التي اذكر انني اغلقتها قبل ان اذهب اليوم.

السماء سوداء حالِكة و النجوم الملونة تُضيء بشكل جميل، لكن شيء ما لفت انتباهي.
انه يقف على درابزين الشُرفة اسود كالظلام يملك اجنحة و منقار رمادي، لكن عيونه، عيونه الفضية البراقة التي تبدو مألوفة تنظر لي.
تنظر لي كأنها ترى ما بِداخلي، ترى روحي. وقفت على اقدامي ببطء و توجهت الى الشرفة بسبب فضولي. اقتربتُ من الابواب و امسكت الستائر بيد كي لا تُخيفَه.

انه غُراب اسود كبير و جميل بِطريقة ادهشتني. انه اسود، لكن بعض الريش في جسده ملون باللون الذهبي. لم ارى في حياتي كُلها غُراب بِريش ذهبي و جميل بشكل لا يصدق.
ما الذي يفعله غراب جميل مثلك هنا؟
انا سألت نفسي بِصوت عالي، جعل من رأسه يتحرك الى جهة واحدة، كأنه يحاول ان يفهم ما اقوله.

تصرفه جعلني اضحك بصوت منخفض. اقتربت اكثر الى الشرفة بِأقدامي العارية مُحاوِلتاً ان المسه، اصابعي النحيفة و الطويلة لامست رأسه المدور الصغير، انه ناعم جداً و دافئ، فجأة ابتعد الغراب بسرعة و طارَ بعيداً عني بِتلك الأجنحة السوداء الى سماء الليل الباردة.

في اليوم التالي، بقيت مستلقية على سريري مختبئة تحت الغطاء كي اتفادى ضوء الشمس الساطع.
لا اريد ان اخرج ولا ان اتكلم او افعل اية شيء، فقط انام، او بالاحرى احاول ان انام.
لقد بقيت ابكي طيلة الليل من دون توقف، حتى عندما نفذ صبر عيوني من كثر ذرف الدموع، تمكنت من اكمال البكاء كالطفلة الضائعة.

سمعت صوت تيلار تُطَهر حلقها كي تُعلِمني انها موجودة، مع انني قفلت الباب البارحة كي لا احد يزعجني، الا انها تستطيع الدخول لأنها تملك مفتاح احتياطي للغرفة.
احم احم، هل تخططين للبقاء طيلة اليوم في السرير؟
هي سألتني بعد ان سمعتها تضع شيء ما على الطاولة.
اعتقد انها صينية الفطور. لم اجبها، لأن ليست لدي الطاقة للتكلم أو الحِراك حتى و لا اريد منها ان تراني بهذه الحالة.
لن تجيبي؟ حسناً إذاً--.

توقفت قليلاً و فجأة قالت بِصوت ضخم و شرير كأنها تضع تعويذة
ايتها الأغصان و العروق، تحركِ و--
تحركت بسرعة أبعد الغِطاء عني ثم رفعتُ يدي و صرخت قائلة كي اوقفها
لا تكملي! لقد استيقظت!
عندما رأتني تيلار جالسة على السرير الأن و علامات الخوف على وجهي، ضحِكت من قلبها واضعة يدها الصغيرة على بطنها و تتحرك بِقوى من شدة الضحك. انا ضيقت عيناي عليها و تنهدت بِأحباط.

من جيد سماعك تضحكين ايتها الخشبية. فهذا أمر نادر جداً، سوف احفظ صورتك في عقلي الى الابد.
توقفت هي بِسرعة و عادت علامات البرودة و عدم المُبالاة لِوجهِها. انا ابتسمت لها بِنجاح انني فزت هذه المرة و عدت استلقي على وسادتي احدق بالسقف.
ماذا حدث لكِ؟ هي سألتني بِصوت يملئه الحيرة.
لا شيء. انا اجبتها بِبساطة احاول ان اهرب من فضولها.
ماذا تعنين بِ لا شيء؟ شكلكِ مقزز.
لم اجب على كلامها.

احسست انها اقتربت اكثر من السرير ثم اخبرتني عن شكلي الذي اعرف كيف يبدو
ان عيونك منتفخة و حمراء كالفراولة. شفتاكِ جافة كأنكِ لم تشربي ماء منذ قرون. انفك ايضاً منفوخ كالبطيخة و احمر. وجهك بأكمله ليس كالمعتاد هل كنتِ تبكي طيلة الليل؟
لا هروب منها اليس كذلك؟، اِن حاولت ان ابقى صامتة فَسوفَ تفتح جمجمتي و تخرج ما بِعقلي كما اخبرتني من قبل.
لهذا اخذتُ نفساً و اجبتها بِأقصر كلام يمكنني ان اتفوه به.

نعم كنتُ ابكي. و لا اريد ان اتكلم عن الموضوع لأنني لستُ بخير وجائعة و ظمأنة و متعبة و مكسورة و أتألم و--
حسناً حسناً فهمت كُفي عن التكلم ارجوكِ، بدأ رأسي يؤلمني.
هي قالت لي و ابتعدت عني مُتجهة الى الحمام. بعد ثوانيٍ سمعت صوت ماء حوض الاستحمام يجري، لتخرج بعد دقيقة اخرى و تذهب الى الخزانة كي تخرج ملابس منها.

قبل ان تأكلي اذهبي و استحمي لأنكِ مازلتي مقززة و رائحة عرقك كالقمامة. سوف اضع فستانك هنا على السرير.
تيلار اخبرتني ثم رفعت نظرها لي و حدقت بي للحظة كأنها تقرأ شيء ما بِداخلي.
شكراً لكِ انا قلت لها لأنني حقاً ممتنى لها.
دوماً ما تكون مصدر ازعاج لي كل صباح و حتى في المساء، لكنها الشخص الوحيد الذي يرفع من معنوياتي و يجعلني انسى و لو قليلاً ما يحدث معي من مشاكل.

انها الشخص الوحيد الذي اثق به اكثر من اية احد هنا في هذا المنزل. مع انها لا تفعل الكثير لي، لكن لسبب ما ارى انها تحاول ان تعطيني قوة كي اقف على اقدامي من جديد بِأفعالها البسيطة تلك.
انها ليست جيدة في التكلم و ليست حنونة اطلاقاً، لكني أرى روحها الجميلة و نظراتها اللطيفة بعض الأحيان، انا ممتناً كثيراً لها.
يبدو انكِ اخرجتي عقلك من رأسك عندما بكيتي كثيراً البارحة هي قالت لي بنبرة ساخِرة.

ابتسمت انا لها ابتسامة كبيرة و هي أدارت عينيها عَليي. تحرت انا و ابتعدت عن السرير، متجهة للحمام.
قبل ان ادخل اوقفني كلام تيلار
هل تريدين الذهاب للحديقة اليوم؟
التفتُ اِليها و رفعتُ حاجِباي بِتسائُل
لا اعتقد، لماذا تسألي؟
شابكت هي ذراعيها و قالت لي
اليوم سوف يجتمعوا التجار و العاملين مع لوثر في المنزل من اجل العمل. لذلك اعتقد انكِ لن تحبي الضجة و لا اريدك ان تعودي الى حبس نفسك كالمسجونة في الغرفة.

اومأت لها بِرأسي ثم اجبتها
حسناً، و انا لا اريد ان ابقى هنا من الاساس. جهزو لي العربة و بعض الطعام الخفيف مع الفواكه.
من دون ان ترد على كلامي او تخبرني انها تتفهم، التفتت هي و اتجهت الى باب غرفتي كي تخرج و انا اكملت طريقي الى الحمام.

منذ اليوم الذي اتيت الى هذا العالم أو أختُطِفت بالأصح، لم اذهب و استكشف المزيد من هذه المملكة الجميلة. دائماً اذهب الى الحديقة أو المدينة و أعود للمنزل، حديقة، منزل، حديقة، منزل و هكذا.
انه مُمِل أحياناً، لكن الان وجدت ما يُمَتِعني و أنا لِوحدي.
مشاهدة ذلك الطفل اللطيف و الشاب الذان يأتينان الى الحديقة كل يوم و يتمشوا في الهواء المنعش الطلق.

كل مرة اتردد مع نفسي و اقول انه يجب عليّ ان اتخطى هذا الجسر و اذهب اليهم كي اتعرف اكثر عليهم.
اريد ان العب مع ذالك الطفل الصغير و اريد ان أرَبِت على رأس الكلب المليئ بالطاقة في كل مرة يلعب و يركض من الطفل.
لكن، لا نفع، لا استطيع لأنني خجولة و لأنني لا اعرف كيف أقدم نفسي لهم. إن الامر ليس بتلك البساطة، فأنا بشرية و هم من الجنيات.

ليس جميعهم يحبوا ان يختلطو بالبشر، اخاف ان يؤذوني بِقِواهُم العجيبة أو بِكلماتهم الجارحة، لهذا لم اتقدم و اذهب اليهم يوماً، فقط اجلس تحت الشجرة الوردية التي تتحرك مع الهواء و ترقص بِرقة.
اليوم كان طويل اكثر من باقي الايام في الحديقة...
عندما وصلت الى مكاني المعتاد، جلست انتظرهم كي يصلوا.

انتظرت لساعات حتى انتهيت من تناول كل مافي السلة التي اعدتها تيلار لي. في العادة اتناول القليل من كل شيء، لكن اليوم، أكلت كل ما يوجد.
لِساعات بقيت انتظر كي يأتوا، لكن لا احد، لم يأتي احداً منهم. لقد تسألت ان كانو بخير، أو ان حدث ما يشغلهم عن القدوم.

في داخلي، تضايقت و احسست بِخيبة أمل. اردتُ أن أراهم اليوم اكثر من اية يوم، لأنني حزينة و ضعيفة و مشوشة. اريد ان ابعد افكاري عن كل مشكلة من حولي، اريد ان انسى و لو لِساعات قليلة.
اريد ان اشعر ان كل شيء على مايرام و ان المشاكل ليست إلا لحظات تظهر لِتختفي بسرعة.
لكن لم يظهروا و انا احسست بالبكاء من دون سبب. اوقفت نفسي بسرعة قبل ان ابدأ بِذرف الدموع المثيرة للشفقة. لا توجد لحظات جميلة تدوم طويلاً.

وقفت على ساقاي أصلح فستاني الابيض و الازرق الطويل ثم اخذت خطواتي اتجه الى العربة كي اخبر ادلار ان يأتي و يأخذ الاغراض كي نعود للمنزل.

و انا امشي مبتعدة عن مكاني، فجأة ارتطم شيء ما بِساقاي بِقوى جعلني اخذ خطوة الى الوراء و سمعت صوتاً صغيراً يقول أوتش و هو يرتطم بالارض. ازحتُ نظري الى الاسفل كي ارى طفل صغير بِشعر اسود و عيون زرقاء داكنة على الارض يحدق بي بِعيون واسعة.
انه نفس الطفل الذي كنت اراه كل يوم في الحديقة!
انتِ بشرية! قال الطفل بِصوت مرتفع يُشير إلى بِأصبعه.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب