رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثالث والأربعون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثالث والأربعون

رواية تحت الغطاء الأبيض الجزء الثاني للكاتبة مينار الفصل الثالث والأربعون

جلس فالين في غرفة مكتبه يقرأ و يعمل على بعض الأوراق المهمة و التي تخص مدينة الشمس.
عاقد لِحاوجبه الشقراء يُرَكِز في حرف حرف و جُملة جُملة لا يتوقف إلا لِشُرب الماء أو تناول قطعة مِن الإجاص المقطع في طبق صغير على طاولة مكتبه، لا يسمح لأحد إزعاجه أو مقاطعته أثناء عمله.
لكن، جعل طَرق على بابه يعرفه جيداً، أن يتوقف عن عمله لكي يسمح لِلطارق بالدخول.

فُتِحَ الباب ليَدخل مُستشاره الوفي مايكا بِهدوء بعدها أغلقه خلفه يقف مستقيمًا يُواجه الملك.
استدار مايكا لِملكه ثم وضع يده على قلبه مُنحني الظهر بأحترام قائلاً
أعتذر على قدومي في هذا الوقت لكني أردتُ معرفة إن ما كُنتَ تحتاج أية شيء قبل ذهابي إلى غرفتي، جلالتك.

تنهد فالين يضع ما بيديه قبل أن يرجع بِظهره على كرسيه يَذكُر الأن ما جرى في البهو قبل ساعتين تقريبًا و شجاره مع فالكين بِسبب ذلك فَمِن حسن حظه، عمله ألهاه عن ما جرى لكن مؤقتًا.
رفع مايكا ظهره ينظُر لِملكه بِحيرة يعلم أنَّ هنالك خطب ما في ملكه مِن تلكَ التنهيدة المرتفعة.
ماذا كانَ ذلك العرض في البهو، مايكا؟ سأله فالين يُشير له لكي يتقدم نحوه.

مايكا أخذ خطوتين كبيرتين له لكنه أبقى مسافة أكبر، يده تعود إلى مكانها على جانبه بِبطء و عينيه تحدق بالأرض، يَشعُر بِعار مِن الذي جرى بينه و بين كانيلا.
هو أيضاً لم يقدر إلا و التفكير في كل كلمة و كل نظرة ألقتها عليه بعدما فقد التحكُم بِذاته و صفعها على وجهها أمام الخدم و الملك الذي يجلس أمامه و في صوته غضب بالكاد واضِح لكن لأنه مستشاره و عاش معه قرون، يُدرك جيداً انه أعظم مِن مجرد غضب مُخبئ.

أنا أعتذر سيدي و لا أعلم ماذا أقول غير أنني لم أستطيع التحكم بِها و بِنفسي و جعلتُ ما بيننا لِلعلن و أمامك. رد عليه مايكا مُنحني الرأس، خُصلات من شعره الطويل تلامس جوانب وجهه.
لم يتفوه فالين بِشيء لِفترة طويلة و فقط حدق بِه مُضَيّق عينيه الملونة قبل أن يكسر الصمت و يقول
هذا ليس ما عنيته بِسؤالي مايكا، بل أعني لماذا فعلتَ ما فعلته بها من دون تفكير؟

هنا أعاد مايكا رفع رأسه يسمع صوت صدى الصفعة مجدداً في أذُنيه كأنه عاد بالماضي يرى تعابير وجهها المتفاجئة و كم أنَّ وجنتها احمرت بِسرعة و قد تُصبح كدمة تراها كل يوم في المرآة.
أغمض مايكا عينيه بِشدة يلعن نفسه كثيراً.
كانيلا امرأة قوية و لا يمكن إغضابها أو أحزانها بِسهولة، ليست حساسة لِلغاية لكن الدهس على كرامتها و أحراجها بِتلكَ الطريقة أذاها بِشكل أسوأ من طعنها بِسيف.
لكن...

لأنها استحقت بِسبب قِلة احترامها لك، جلالتك. و مَن يتكلم عنك بِسوء يتلقى عقابه. أجابه مايكا بِبرودة صوت ليُميل فالين رأسه على جنبه قليلاً لا يُبعِد عينيه الحادة عنه كأنه يُحاول قرأت هذا الرجل، مع انه دائماً ما يواجه صعوبة بِفعل ذلك.
فَهو كالصندوق بِقفل، مرةً يرَ قفله مفتوح لينظُر بِداخله و مرةً يراهُ مغلقًا بأحكام مهما حاول كسره و فتحه بأية طريقة، يتفاجئ بِكونه أقوى من قبل.

كانَ بأمكانك مواجهتها في مكان مختلف و بِشكلٍ مختلف و كبح غضبك أمام الخدم. قال الملك يتقدم بِجسده على مكتبه يديه أمامه و أصابعه متشابكة بِبعضها على الطاولة.
هذا خطأي و أنا أعتذر منك مرة أخرى، جلالتك و أعدك أننا لن نُعيد الكرى.
أخرج فالين ضحكة مِن حلقه لينظُر له مايكا متعجب قبل أن يُخبره الملك.

لا أعتقد أبداً أنَّ شيئًا مثل ذاك سيحدث بينكما لأنَّ كانيلا ستتأكد مِن قطع يدك و ربما ذراعك قبل أن تُفكِر بِالأقتراب منها.
لم يستطع مايكا كبت نفسه لِترتفع زاوية مِن شفتيه للأعلى يتخيل المنظر جيداً مع انه لا يعتقد على الأطلاق أنَّ كانيلا قد تؤذي حشرة حتى لو اخطأت بِحقها.

لماذا تفعل بِها هذا مِن الأساس مايكا؟ أرجعه سؤال سيده الغريب بِنبرة حزينة من عالم تخيلاته ليرمِش عِدة مرات عليه يستوعب السؤال بعد ثواني سريعة.
هذا ما كانَ يجب عليّ فعله منذُ زمن. رد مايكا عليه البسمة الصغيرة تختفي لتعود ملامحه الحجرية.
رفع فالين حاجبًا عليه
أنتَ مازلتُ تحبها، لمَ العناد كله و هي تكافح مِن أجل علاقتكما؟
أظن أنَّ السبب واضح، جلالتك.

هَزة فالين مِن كتفيه يُشير بيده اليُمنى على أحد الكراسي المواجهة لِمكتبه و مايكا أنصت للأمر يجلس على الطرف الأيمن مِن الطاولة يديه مُكَوَرة على شكل قبضات في حضنه، عينيه تحُط على التمثال في الزاوية الأخرى مِن الطاولة على شكل أسد الغابة بِجناحين مرتفعة.
و مع ذلك أخبرني بالذي يجول في خاطرك. قال له فالين.

عقد مايكا حواجبه السوداء مِن لون شعره ثم أخبره مُستسلماً لأنه في الحقيقة يشعُر بالراحة عندما يتحدث مع ملكه عن أية شيء، خاص أو لا.
و نادراً ما يُخفي سراً عليه لكن بعض الأحيان يُحِس أنَّ ملكه يعرف الكثير لكنه هو أيضاً ينتظِر الوقت المُناسب لِلأفشاء.

لا فرصة لي معها سيدي. الزواج بِها سوف يحرمها من السعادة للأبد و هي يُحرَم عليها الزواج السعيد إلا مِن نصف روحها الأخر كَعقاب لها بِسبب ما حدث قبل أكثر مِن عشرة سنوات لهذا توجب عليّ تركها.
و مع ذلك، قد لا تعثُر عليه و قد تعيش وحيدة و لا أحَد غيرك يُحبها من قلبه.
أومئ مايكا متفهمًا يضع عينيه على يديه التي عليها ندبات قديمة الشكل لكنها حديثة الذكريات، بعض الليالي يجدها تطارده في أحلامه هو كذلك.

لقد وَجَدَته. تَمتَم مايكا شيء ما يَضيق كالحمل الثقيل على صدره.
رمش فالين مرتين لا يفهم ماذا سمعه ليُشيح مايكا بِمُقلتيه على سيده الضائع يُرَدِد بِطريقة أفضل
لقد وجدت نصفها الأخَر منذُ فترة و أبقت الأمر سراً إلى أن تأكدت.
نهض فالين فجأة مِن على كرسيه بِسرعة ليَقع على الأرض إثر الحركة لكن مايكا لم يتحرك ساكِنًا، بسمة حزينة تُزَيِّن شفتيه عكس ما على وجه فالين الذي لم يصدق حرفًا بعد.

هل أنتَ مجنون؟ سأله الملك ليَهُز خادمه رأسه يقف هو كذلك على ساقيه قلبه ينبض بِسرعة كما لو انه كانَ يركض لأميال بِلا توقف.
لهذا تشاجرنا و وصل الأمر لِخارج غرفتها و أظن انها أخبرت سموها أيضاً.
مَن هو؟

واجه مايكا صعوبة بِفتح فمه و تَرَدد كثيراً لأنه هو بِنفسه لا يزال غير مصدق بِكلمات كانيلا عنه و كيف انها وقعت بِحبه لكنها خائفة مِن أخباره لأنه ربما لا يُشاركها المشاعر فَهذا ما قالته لِفينار على الشُرفة.

مِن دون قصد دخل غرفتها لأنه أتى حتى يُخبرها عن عدم قدومه معهم إلى مملكة شادونايت ولكن حديثها مع الأميرة وصله و جعله فضولي لِلغاية لِحَد البقاء ساكنًا يستَمع إلى أن لم يَعُد يتحمل أكثر و قاطعهما بِظهوره.
انها تحبه...
تحب شخص آخر.

بعد سنين معًا و بعد ما جرى لها، كل شيء بينهما تدمر، ثقته بها أختفت كَدُخان النار مع أنها أثبتت له العكس تمامًا و كثيراً إلا انه فقد ثقته بِنفسه مِن البداية لهذا لم يعُد يثق بها و عاش خائفًا مِن فقدانها إلى أن حضر اليوم الذي أخرجت فيه كلمات غير مألوفة في وجهه.
نعم أنا أحب رجل يهتم بي و يُعطيني ما أفتقده و لا يكترث لِلمقابل.

لم تعُد موجوداً و كأنكَ جسد متحرك فقط، تكون معي لأنكَ تشعر بالمسؤولية اتجاهي ليس إلا.
ترَ نفسك مُحق و مظلوم، لكنك لا تراني تعيسة بِكل لحظة أقضيها معك بِسبب أهمالك منذُ سنوات.
كانت تلكَ الجُمَل القاسية التي تفوهت بِها له مِن حزنها و تعاستها، دخل كل حرف كالسهم في قلبه و جعله ينزف.

كل تلكَ السنوات التي أهملها بِها ليس لأنه لا يُحبها أو انه لم يعُد يريدها و إنما لكي يحميها و يُعطيها آمل بالعيش كما تمنت مع الشخص الذي ستحبه للأبد.
و دوماً كانَ لديه آمل بأنها يومًا مِن الأيام سوف تجد مَن تبحث عنه مع انها مرت سنين و باتَ الآمل يموت رويداً رويداً، ظهر مَن يبحث عنه جميعهم و عاد الآمل يحيا كالزهرة أسفل المطر بعد يوم جاف.
لقد أذاها جداً.

بِسبب تصرفه الأناني جعلها ترَ كل لحظة معه دهر كئيب و بشع.
كانَ يجب عليه أخبارها، كانَ يجب عليه مساعدتها بِطريقة مختلفة لكي على الأقل تتفهم أسباب تصرفاته اتجاهها لكنه لم يفعل و علاقتهم تحولت لِغيمة مظلمة تحوم فوقهما كُلما تقابلا و وجدا التمثيل أمام الأخرين الخيار الوحيد.

كانَ يزور غرفتها ليلاً ظننًا أنَّ بِتلكَ الطريقة بإمكانه إطفاء اشتياقه لها و انها تسعَد و لو قليلاً معه و ها هو بعد كل المدة اتضح أنها لم تعُد تطيق رؤيته حتى بل تبقى معه لأنها هي أيضاً تشعر بالمسؤولية اتجاهه، لأنَّ كلاهما استطاعا مساعدة الثاني في أيامهم السوداء.
مَن هو مايكا؟ سأله الملك مِن جديد أسنانه البيضاء مُطبقة على بعضها و يبدو و كأنه سوف ينفجر فضولاً بأية لحظة إن لم يخبره.

نظر له مايكا يبلع ريقه ثم فتح فمه، لسانه ثقيل كأنَّ حجرة تجلس عليه لكنه حركه مُجيبًا
سمو الأمير، فالكين لوماريل.

وجد فالكين نفسه أمام باب غُرفة كانيلا بعد ثلاثة ساعات من الشجار الذي حدث بين البشرية و خطيبها.
كان يجلس غاضبًا في غرفته لا يعرف ماذا يفعل بِنفسه و كيف يُفكِر و عقله مُشوش أصلاً، لِتأخذه ساقيه مِن تلقاء نفسها لِعند باب غرفتها التي لا يسمع حتى الهمس من داخلها.
و لم يستطيع الطرق على الباب خوفاً مِن أن يُزعجها أو انها تريد أن تكون لوحدها في هذا الوقت مِن المساء.

لقد تخطى وقت العشاء الذي لم يتناوله فالكين لأنَّ لا شهية لديه و منظر يَد مايكا في الهواء مرتفعة تتجه نحوَ وجه كانيلا لا يدعه و شأنه.
حتى الصوت، ظل يتردد في أذُنيه بِلا توقف و راحة.
صوت قبيح لِلغاية جعل الدماء في عروقه تغلي و تغلي حتى تحولت لِنيران تجري في جسده.

لهذا مشى فالكين ذهابًا و إيابًا أمام بابها الأبيض في القسم الآخَر من الردهة فَلقد كانت تعيش في الجناح الآخَر مِن القصر إلا أنها لسببٍ ما غَيِّرت غرفتها و أصبحت تعيش في نفس الطابق و نفس الردهة الخاصة بالغُرف منذُ بداية عيشه في فالينيا.

هل ستظل تمشي هكذا مِن دون تصرُف؟ سأله مرافقه الصغير بلايز يَطير في مطرحه و عينيه تتحرك مِن اليمين لِليسار على سيده الذي يمشي منحني الرأس، حواجبه معقدة، يد خلف ظهره و الثانية يحك بها ذقنه.
لم يرُد عليه الأمير لكنه توقف، نظر له لِلحظة ثم التَفَت على الباب يده ترتفع له لكي يطرق مع انه فعل نفس الحركة خمسون مرة و في كل مرة ينزل يده و لا يطرق.
و هذا الأمر تكرر.

أنزل فالكين ذراعه ثم عاد يمشي مِن اليمين لِليسار.
زفر بلايز الهواء مِن فمه بأحباط يهُز رأسه لا يُصدق انه يرافقه في وقت متأخر لأنه لا يتحمل الثبات في غرفته مِن حتى بعد أن حذره فالين من التدخل.
فالكين. تَمتَم بلايز باسمه لكي يُنصت له لكن الأمير توقف لِلمرة الواحدة و الخمسون يحدق بالباب ليرفع يده في الهواء متجمدة لا تزيح من مكانها.

رص فالكين بأسنانه على بعضها يسحب نفسًا عميقًا قبل أن يقرر انه سوف يطرق و لن يهتم لِلذي سوف يواجِهُه لأنه قلق على كانيلا و يتمنى رؤيتها و لو لِثانية كي يتأكد مِن انها على ما يرام.
فجأة أحسَ بلايز و الأمير بِتواجُد شخص ثالث معهم ليُحرك فالكين رأسه على يمينه يجِد فينار تقف في آخِر الردهة عند ستائر النوافذ المُغلقة، تنظُر له و هي تهز رأسه بِخفة.

عادت ذراع فالكين إلى مطرحها يلتَفِت لِلأميرة بِشكلٍ كامل و على وجهه التساؤل.
فينار أشارت بِرأسها له كي يلحق بها و هو لم يكُن له خيار سوى الإنصات لها و تأجيل زيارته لِلسفيرة.

ذهب خلفها و معه بلايز إلى شُرفة الردهة الكبيرة على شكل نصف دائرة تُطِل على الساحة الخلفية لِلقصر. انها ذات الشُرفة التي قابل كانيلا فيها لوحدهم و قابل فيها لأول مرة مرافقتها إكسانا التي ظنت أنَّ بلايز و سيده خطراً على سيدتها في ذلك الوقت.

ابتسم فالكين مع نفسه على الذِكرة لتختفي بِسرعة كما ظهرت عندما وصل الشُرفة يقف جنب الأميرة المُتكئة على الدرابزين، نسمة الربيع الباردة في الليل تُحرِك مِن خصلاتها الذهبية بِخفة كأنَّ السماء تنفخ عليها من الأعلى.
ربيع هذه المملكة مُختلف عن أية ربيع في أية مملكة غيرها.
صباحها دافئ و جميل مُفعم بألوان ساحرة أما ليلها برودته لطيفة و منعشة و خيالية.

كلاهُما واجها الصِعاب في حياتهم قبل أن يتعرفان على بعضهما، بدأت فينار تكسر الصمت بينهما ليَشيح فالكين بِعينيه البنفسجية عليها بِفضول و هي أكملت تُشاهد النجوم في أعلى السماء
مايكا عاش بِصدمة بِسبب ما حصل له في مملكة أريزو مع تيريان و نفيه منها و هي عاشت صدمة هذا العالم قبل أن تعتاد عليه و عندما تعرفا على بعضهما دخلوا في سعادة لا توصَف كما لو أنَّ كلاهما عثر على نصفه الثاني بعد مُعاناة.

توقفت الأميرة لِلحظة تضع جهة مِن شعرها الذهبي خلف أذُنها اليُسرى تنظُر الأن لِلساحة التي يحرسها حَرَس القصر ثم أكملت و فالكين يستمع لها، بصره كذلك على الساحة و ما فيها مِن شجر و شُجيرات صغيرة عليها زهور ملونة على جوانب المكان.

لكن حدث مع كانيلا مشكلة أدَت إلى مشاكل أكثر لها و لمَن حولها لكنها أثرت عليها كثيراً حتى دخلت في حفرة مظلمة لم يقدر أحدٌ منا على أخراجها منها، أصبحت مختلفة، غريبة كأنها شخص لم نراهُ في حياتنا و لم نتعرف عليه ابداً.
تنهدت فينار تحدق بِيديها التي تدلى مِن خلف الدرابزين، تتابع كلامها بِصوت منخفض بعض الشيء فيه مشاعر مختلطة لكن أوضحها حُزن شديد و قَهر.

عانت مِن الأكتئاب، لم تُغادر غرفتها لأشهر، لم تتناول طعامها جيداً و عاشت على الماء و الشاي بأعشاب تبقيها على قيد الحياة لكن ليس مِن حزنها الذي أغرقها بِصمت حتى في نومها و دوماً كانت ترفض التكلم مع أحد و رؤية طبيب.
جلس بلايز بِبطء و هدوء لا يُصدِر صوتً على الدرابزين مُتربع الساقين يُشاهد فينار و هي تتحدث لكن في عينيه دموع جعلت مِن رؤيته ضبابية كالضباب الذي حل على قلب و عقل فالكين.

يجعله لا يرى و لا يُفكِر جيداً و بأختناق يَصعُب تنفسه مع كل كلمة تغادر فمها و تدخُل أذُنيه لتعلق فيها.
مايكا أنهار في ذلك الوقت، لم يعرف ماذا يجدر به فعله لكي يُساعدها ليدخل هو في أكتئاب حاول إخفائه عنا كُلنا إلى أن اكتشفه فالين و ساعده، بينما كانيلا،
عقد فالكين حواجبه يديه مضمومة بِشدة تحول مِن مفاصله لِلبيضاء.
ماذا حدث لِكانيلا؟ هو سألها.

حركت فينار رأسها باتجاهه وجهها شاحب و عينيها لا ضوء فيها، ظلمة يَسيل منها الحزن يصل له كَالصفعة على الوجه، لتجيبه هي دمعة تنهمر على وجنتها
أثناء معالجة مايكا، حاولت هي الانتحار.
فقد فالكين قُدرة السمع و قلبه توقف عن النبض كما لو انه تلقى لكمة قوية جداً على صدره جعلته ينسى كيف يجب أن ينبض حتى نفسه علق في حلقه لتدور مليون فكرة سيئة في عقله لكن فينار امسكت بِيده تمسح عليها و هي تنشُق من أنفها.

حاولت كثيراً بِطُرق مختلفة و في كل مرة فشِلَت. مرةً حاولت شنق نفسها لكن الحبل تمزق و مرةً بِحرمان نفسها من الطعام و الشراب لكن خادمتها و أنا جبرناها بالسحر و مرات عن طريق شربها لأدوية و أكلها أعشاب زيادة منها تقتل لكن الطبيب الملكي أنقذها في آخِر لحظة و مُحاولات بأستخدام الأشياء الحادة في غرفتها.
لماذا لم تمنعوها و تراقبوها؟ اندفع فالكين غاضبًا.

صدقني كانت تجد طُرُق و لو كُنا معها في نفس المكان، كانت تعيسة فاقدة الآمل تظن أنَّ أنهاء حياتها سوف يجعلها أفضل لهذا فالين وضع إكسانا مُرافقتها لكي تحميها لكونها لم تستسلم في مُحاولاتها بالانتحار.
لا إراديًا حرك فالكين عينيه على بلايز الذي وجده منصدم، وجهه أبيض كَبياض الثلج و مقلتيه متبحلقة تكاد تخرُج مِن مكانها ثم أعاد بصره على الأميرة التي تحدق به هو.
إكسانا.

لهذا تعرف الكثير و تُخفي أكثر لكي تَستُر على كانيلا في كل مرة يكتشف فالكين شيئًا جديداً بِشأنها.
انها ليست فقط مُجرد حامِلة لأسرارها و مُرافقتها بل منقذتها و حامية لها من جنونها.
لِ-لِماذا تخبرينني بِهذا كله؟ سألها فالكين صوته متقطع كأنه كانَ يصرخ طوال الوقت إلى أن فقده.
وضعت فينار يدها على وجنته اليُسرى تقترب منه قليلاً و بيدها الثانية تُمسك بِذراعه العُلية تعصرها بِرقة تجعله ينظُر لها.

لكي تتفهم أنَّ مايكا و كانيلا ساعدا بعضهما في أوقاتهم الصعبة، كان كل واحد منهم عونًا للآخر في أسوأ أوقاتهم، صحيح أنَّ كانيلا دخلت في حالة ظننا أنها لن تخرُج منها لكن بعد تشافي مايكا، كان هو الوحيد الذي استطاع الإمساك بيدها و سحبها مِن الحفرة المظلمة إلى النور، انه أحد أكبر الاسباب التي أبقت كانيلا معه و لم تقدر على تركه ليسَ لأنها كانت تحبه فَحسب بل لأنها تُدين له.

هل، هل ما زالت تُعاني مِن نفس المشكلة؟
مسحت هي على شعره الحريري تبتسم بِخفة قبل أن تُجيبه تُنزِل مِن يدها على صدره لتُربِت عليه
أصبحت أقوى، أذكى و عقلانية و لم تعُد كما كانت، لا كانيلا البشرية التي عاشت في عالمها البشري و لا كانيلا التي تحولت لِنبتة ذبلة و إنما لِكانيلا جديدة أفضل بِمئة مرة.
لكنني أراها حزينة دائمًا و تخفي أشياء تؤذيها.

أومأت هي توافقه الكلام تبتعد إلى مكانها، تتكئ على الحافة بِذراعيها و تمسح الدموع من على وجنتيها.
مايكا سحبها مِن الظلام لكن القليل منه تشبث بها و لم يدعها ابداً و هي منذُ حين تحاول كل يوم القتال ضده لكي تجد سعادتها و تعيش كما تستحق.
استدار فالكين إليها كاملاً نبضات قلبه مُتسارعة و حلقه جاف كَرمال الصحراء كَدمائه التي لم تَعُد تُدفِئ جلده، تجعله بارد كما لو أنه يقف بين ثلوج مملكة سنويان.

لمَ تُخفون عني كل هذا؟
لكل سِر وقته فالكين. فَلا يُسمى سر من دون سبب، و لكل شخص الحق بأخفائه أو الأفشاء عنه و كانيلا اختارت عدم التكلم لأسباب شخصية حتى أنا لا أعرفها.
إذاً لماذا أخبرتني الأن؟
نظرت هي له بِطرف عينها قبل أن تُجيب
لأنَ حان الوقت لكي تمسك بِطرف الخيط و تسحبه إليك عزيزي.

لم يفهم فالكين كلام فينار لكنه لم يضغط بالمزيد عليها بِسبب فضوله الذي يقتله و يؤلم قلبه يُقطعه أرباً أرباً. و لم يفتح فمه أصلاً و فَضَّل الوقوف مع الأميرة و مرافقه في صمت إلى أن حان وقت النوم الذي لم يتحمس له فالكين بتاتًا و مع الأفكار و كل ما أخبرته فينار عنه إلى سريره البارد.
و لأنَّ حظه يكرهه، واجه فالكين كوابيس عن كانيلا.

عن ما خاضته في ماضيها مع رسم مُخيلته لكل ما هو اسوأ فَلو كانَ وحش أسفل السرير حقيقيًا، ما كانَ فالكين سيَخاف منه كما خاف مِن رؤيته لِكانيلا و هي تحاول قتل نفسها.
رؤيته لِلمرأة التي ينبض قلبه لأجلها و يحبها.
لا، كلمة حُب صغيرة بالنسبة لِلذي يشعر به اتجاهها.
انه يعشقها كما لم يعشق أحداً مثلها مِن قبل و أصبح يخاف مِن فقدانها و كشف المزيد من أسرارها.

لم يكُن يعلم كم انها عزيزة عليه إلا في لحظة رؤيته لها و هي تموت في أحلامه و تعيش مجدداً أو بكائها الذي أرتجفت الأرض فيه و معه كيانه عندم سماعه لأنينها و صرخاتها كلما فشلت بإنهاء حياتها التي لا تُدرك كم أنها إن لم تكُن ثمينة لها، تكون له هو.

في لحظات مشاهدته لها و هي تتصرف بِجنون غير واعية و فقدانه لِلقُدرة على مساعدتها و الوصول لها، أستيقظ فالكين باكيًا في سريره، كلبه و مرافقه ينظرون له لا يعرفون ماذا يجب فعله لكي يجعلوه ينسى.
و مع ذلك لاحظ الأمير أنَّ جناحيه السوداء الكبيرة، أجنحة العائلة الملكية لوماريل، ظاهِرة خلف ظهره.

لم يستدعيها لكنها أحيانًا تظهر عندما يفقد السيطرة على نفسه و أحلامه عن كانيلا كانت شنيعة أكثر مِن أية حُلم واجهه في حياته و هذه المرة لم يعثُر على كانيلا بِجانبه لكي تُساعده بل على فراغ فيه يواجِه ظلامه لِوحده.
دموعه و بكائه لم يتوقفوا عندما ترك السرير عاري الصدر و القدمين، جناحيه خلفه توقِع بعض الأثاث مِن مكانه على الأرض و هو لم يكترث لأنَّ جسده مخدر كَعقله.

أخذته قدميه العارية نحوَ أبواب الشُرفة الزجاجية الطويلة و بيدين لا يَحِس بها، فتحها بِبطء ثم خرج لِيَنتبه أنَّ السماء أيضاً تبكي دموعًا بِحرقة.
صوت البرق ملء سمعه و أنار سماء الليل بالبياض لِجزء مِن الثانية. غسل المطر جلده المكشوف و بلل بنطاله الأسود و جناحيه لكنه لم يكترث بل رفع رأسه إلى الأعلى مُغمِضًا عينيه يدَع مِن المطر يختلط بِدموعه لكي يُصبحوا واحد.
و ندم على غلقه لِمُقلتيه.

ظهرت صورة كانيلا أمامه و هي تبكي لوحدها، تجلس على الأرض في زاوية مظلمة ركبتيها مضمومة و مرفوعة لِصدرها و ذراعيها مُلتفة حولها أما وجهها الجميل الجذاب يَختبئ خلف ذراعيها.
شهقاتها و هي تبكي مع صوت البرق في الأعالي كان كل ما يسمعه.
فتح فالكين عينيه بِسرعة يمسح المنظر من رأسه لترتفع غصة في حلقه، غصة تحولت لِصرخة قوية أخرجها مِن فمه بِلحظة ظهور البرق في السماء لِيُغطي عليها كذلك.

تحركت جناحيه بعدها تحمله في الهواء فوق الشُرفة ليَسمع اسمه مِن خلفه لكنه لم ينظُر و لم يتوقف بل أخذته جناحيه الكبيرة حول القصر إلى شُرفة أخرى لِغرفة يعرف مَن يسكُنها.
ظل فالكين يُحلِق في مكانه أمام الشُرفة و صوت رفرفة جناحيه الجبارة تندمج مع أصوات البرق والمطر، يرى مِن خلال الزجاج عتمة الغرفة مِن الجهة الأخرى.
لكنه رأها...
رأى جسد على السرير و أسفل الأغطية.

جسد كانيلا و هي نائمة بِسلام و هدوء لا تعلم مَن يطير عند شرفتها يُشاهدها و دموعه تنهمر كالشلالات على وجنتيه و قلبه يتقطع مِن أجلها و هي لا تدري.
أقترب فالكين مِن الشُرفة حتى هبط بِخفة و رقة على أرضيتها التي تملأها مياه المطر. أقترب أكثر مِن الأبواب يضع يديه على الزجاج لكنه لم يفتح الأبواب، لم يجرؤ على إيقاظها في نومها المسالم لكنه رأى وجهها.

ناعم، هادئ و طفولي في نومها كما لو أنَّ النوم يجعلها تبدو على حقيقتها خلف كل الأقنِعة التي ترتديها في أيام مُختلفة لكي تواجِه فيه أشخاص مختلفين.
خُصلات شعرها الجميل مِن حولها على الوسادة، يلمع كُلما ضرب ضوء القمر إياه، لطالما أحَب شعرها و تمنى لو بأمكانه اللعب به و لمسه كل يوم.
بخير.
انها على قيد الحياة و بخير. الماضي أصبح ماضي و لم تعُد تخوض ذلك الظلام كالسابق لأنها أصبحت قوية و أفضل.
بخير.

لقد وقفت على قدميها و تحاول مواجهة ما يؤذيها و يكسرها في كل لحظة.
لكنها لوحدها، مثله.
سقط فالكين على ركبتيه يَشهَق بِقوة و دموعه تقع معه على الأرض ليَسنُد جبينه على الزجاج البارد بين يديه يُرَدِد اسمها مراراً و تكراراً لعلها تسمعه و تفتح الأبواب لكي تُعانقه، فهَو يحتاجها، يشتاق لها و يريد أخبارها كم انها غالية و العالم لا يستحق قلبها الأبيض.

أنه سوف يحميها و يجعلها ترَ السعادة و ما هو أجمل منها لكنها لم تستيقظ و لم تفتح الأبواب و هو ظل لوحده يبكي و يصرُخ لِتصرُخ السماء معه بِصوت البرق في الأعالي و دموعها تغسِل جناحيه الهابِطة على الأرض خلف ظهره العاري.

أنينه ملء الهواء ليَحمله بعيداً و يُبقيه سراً كما أبقت إكسانا سِر سماعها و رؤيتها للأمير المكسور يجثو على ركبتيه بِشعره المبلل يُغطي جبينه و جناحيه التي تراها لأول مرة مِن عند عتبة باب منزلها الصغير بالقرب من أبواب الشُرفة.

- فالكين -
لقد أرسلتُ رسالة مع رسولي إلى مملكة أريزو فيها اسأل تيريان عن مخلوقات الغريفين (العنقاء) و إذا ما يستطيع أرسال المزيد منها إلينا في المهمة لِجبال العسل. سمعتُ فالين يقول لكني لستُ معه، شارد الذُهن أحدق بِلا شيء فقط أسمعه يتحدث منذُ دخولي مكتبه في الصباح التالي بعد الفطور لكني لا أتجاوب معه أو أشارك.

ربما سيَتفاجئ مِن طلبي لكني واثق انه سوف يوافق على الطلب و قد يأخُذ من رده بضع أيام هذا يعني بعد عودتنا مِن مملكة شادونايت. أكمل فالين متنهداً ثم سكت.
عَم صمت في أرجاء الغرفة فيها أحسستُ بِتبادل فالين النظرات مع بلايز الذي أعلم أنه يجلس على وسط الطاولة بيني و بين الملك.
فالكين؟

لم أرُد لأنَّ ذِكرة البارحة مساءً عادت تُطاردني حتى بعد الفطور كما لو أنني أعيشها مجدداً و أصلاً لم تتركني منذُ أن أستيقظت مع أني لا أذكُر كيف عُدتُ إلى الغرفة و كيف وجدتُ سريري و النوم بعدها.
ماذا حدث لي البارحة؟
تساءلتُ مع نفسي متعجبًا.
فالكين! أيقظني صياح فالين مِن شُردي لأنظُر له منتفضًا.
ماذا هناك؟
ضَيّق هو عينيه عليّ ثم سأل
هل سمعت ما قلته لك قبل قليل؟

أومأتُ له أرجع بِظهري على مقعدي أفرُد ساقاي أمامي لِتُطَرطِق عظامي
نعم، لقد قلتَ انكَ أرسلت طلب الغريفين لِتيريان و أنَّ الرد قد يأخُذ أيامًا حتى يصل.
عَم صمت غيره بيننا هو يحدق بي و أنا أمَدِد رقبتي و أطَرطِق بِعظامي لأني كنتُ أجلس بِنفس الوضعية و لم أغيرها.
ما خطبك، فالكين؟ أنتَ شارد العقل تعيش بين الغيوم منذُ قدومك إليّ. تساءل فالين يُشابك ذراعيه العضلية أمام صدره.

لا شيء، أنا بخير فقط تذكرتُ أنني لم أوَظب أغراض مهمة في صناديقي من أجل رحلتنا إلى شادونايت. نهضتُ أنا أشير لِبلايز كي يأتي معي.
هل أنتَ تمزح؟
رفعتُ حواجبي عليه ثم أجبته بِبساطة
لا و هل من اعتراض جلالة الملك؟

آوه، حسنًا إذاً سوف أراكَ لاحقًا. قال فالين ما يزال مُضَيّق لِعينيه بِشَك على ما يبدو انه يستشعِر بِشيء عجيب بي لكني ابتسمتُ له ثم توَّجهتُ لِلباب أغادر الغرفة ثم مشيتُ في الردهة متجهًا إلى الردهة التي تأخذني لِغرفة فينار فَلدي اسئلة تجمعت كالغيوم السوداء في رأسي و هي الوحيدة القادرة على أبعادها.

و أنا أمشي بِخطوات معتدلة، سمعتُ همسات بعض الخادمات مِن جهة المطبخ و هُم يعملون و بعضهم يمشي بِعكس أتجاهي يُقهقهون و يتكلمون بأصوات منخفضة بين بعضهم.
نعم، انها تهزمهم بِسهولة. قالت خادمة للأخرى.
ماذا بها؟ أنها على هذا النحو منذُ ساعات. شاركت ثانية.
يبدو أنَّ ما حدث معها أثر على دماغها. أضافت الثالثة.

أوقفتُ أنا أثنتين منهم واحدة تحمل سلة ملابس بيديها و الأخرى صينية عليها أبريق و فناجين لم يكونوا مِن ضمن الهمسات لكني ظننت انهم أعقل لا يحبون التدخُل و الأنسب للإجابة على فضولي
عن مَن يتكلمون الخدم؟
أومئوا كلاهُما بِرؤوسهم أحترامًا لي ثم أجابت التي تحمل السلة
الجميع يتكلم عن الآنسة هنادسين.
نظرتُ لِبلايز الذي هَزة مِن كتفيه قبل أن أسأل عاقد حواجبي
لماذا؟

في الحقيقة لقد أتَت في صباح اليوم إلى خارج القصر و معها سيفها تُقاتل الحَرَس و لم تتوقف ابداً حتى بعد أن تَعدى وقت الفطور و أقترب موعد الغذاء.
و في كل مرة، تبرُح حارس أرضًا و تطلُب حارس آخر لكي تكمل مِن دون توقف أو أخذ راحة و نحنُ قلقون عليها لِلغاية. تابعت التي تحمل الصينية.
امسكتُ بِذراعها ثم سألتها
أين هي؟
احمرت وجنتيها بِسرعة لكنها بِتوتر أشارت بِذقنها مِن خلفي قائلة.

في ساحة التدريب على الجانب الثاني من القصر، سموك.
أومأتُ لها شاكِراً ثم مشيتُ بِخطوات كبيرة و سريعة في الطريق الذي يقودني إليها.
وصلني صوت لمس الحديد بالحديد و الصياح قبل رؤيتي و وصولي لِساحة التدريب ذاتها ثم وجدتُ مجموعة خدم مجتمعين عند أطراف الردهة التي تكون جدرانها مفتوحة كما لو أنَّ هنالك أبواب غير مرئية بين كل جدار.

يشهقون بِدهشة أو يضحكون بين حين و آخر لأذهب إليهم و أقف خلفهم أرى بالفعل أحَد حراس القصر يرفع سيفه في الهواء ليَتصادم بِسيف كانيلا التي ترتدي رداء طويل أزرق سماوي و أبيض، بأكمام تُغطي ذراعيها فَضفاضة كما هو حال كامل الفستان.

شعرها شبه مرفوع و الباقي على ظهرها و كتفيها، تستدير على شكل دائرة تَصُد ضربات الحارس بِسيفها قبل أن تدفعه ثم بِقدمها تركله على معدته ليقع على مؤخرته و سيفه من قبضته.
وقفت هي و أسفل فستانها يتطاير كالستائر إلى أن هدأت تطلُب حارس غيره لكي يأتي و يواجهها مجدداً.
ضرباتها تتكلم عنها. تَمتَم خادم لِصديقه الاحِظ انه يحمل صينية أطباق يبدو أنه كان في منتصف عمله لكن القتال شَتت انتباهه كَباقي الخدم.

تلكَ الصفعة جعلتها تشتعِل غضبًا و أنا لا ألومها أطلاقاً. قال صديقه.
لكنها بارعة جداً، أنا أحسدها على مهارتها في القتال أوَد التعلم و أصبح مثلها. قالت خادمة ليَضحك الخادم الأول عليها
أنتِ بالكاد تستطيعين حمل سكينة فَكيف لكِ أن تحملي سيفًأ؟

أخرجت الخادمة لسانها عليه بالمُقابل ليُخرج هو أيضاً لسانه يجعلون الباقي يضحكون عليهم. أنا قررتُ إفساد متعتهم بالمشاهدة عن طريق تَصفية حلقي لجذب انتباههم عن القتال في الساحة.
باللحظة التي التفتوا فيها الخدم لكي يروا مصدر الصوت، تحولت وجوههم لِلحمراء ثم تبحلقت عيونهم كأنهم رأوا شبحًا أما أنا رسمتُ بسمة عريضة ماكِرة على شفتاي.
أليسَ لديكم أعمال لكي تنهونها؟ سألتهم أشابك ذراعي عند صدري.

تبادلوا الخدم النظرات ثم انحنوا بِسرعة أحترامًا لي قبل أن يتفرقوا و يذهبوا إلى عملهم لأبقى وحدي في الردهة.
تقدمتُ أنا لِعند الجدار ثم اتكأت بِكتفي عليه أضَع كاحل على فوق الثاني أراقب القتال الذي فيه تهزم كانيلا الحارس رقم لا أدري من دون رحمة.

وَجَّه الحارس ضربة بِسيفه على بطنها لكنها صدتها بِخاصتها قبل أن تَلتَفِت من حوله تصبح خلفه لكي تركله على ظهره تبعده عنها، لكنه لم يقع هذه المرة و إنما استدار لها يوَجِّه ضربة ثانية على ساقيها.
رفعت ساقها اليُمنى بِسرعة تضعها على السيف تضغطه على الأرض قبل أن يصل إليها و يَجرحها و لأنَّ الحركة قوية و سريعة فقد الحارس السيطرة على سيفه يوقعه من يده.

لم يلحق بِالنظر اليها مَصعوق و إذ بها تُقَرفِص للأسفل حتى تستدير و ساقها مفرودة تتصادم بِساقيه تفقده توازنه توقعه على ظهره.
أخرج الحارس أنينًا مِن الألم و هي مدت يد المساعدة تعتذر منه، هو قبلها يمسك بها ليقف على ساقيه يفرُك ظهره. لم يبتعِد الحارس خطوتين عنها لتُنادي لِواحد آخر حتى تبدأ من جديد.

ما خطبها؟ تبدو و كأنها تُخرِج غضبها بالحُراس المساكين. تمتم بلايز مستغرب مِن تصرفاتها لكني اتفهمها جيداً و أعلم أنها الطريقة الوحيدة لِلهروب من الغضب إفراغه هكذا.
أرجوك أوقفها، فَهي على هذه الحالة منذُ الصباح الباكر. فجأة ظهرت إكسانا مِن خلفنا تطير لتُصبح أمامنا، عينيها على سيدتها تبدو قلقة جداً.
إكسانا، لماذا تفعل هذا؟ سألها بلايز يطير إليها لتَهُز هي رأسها الصغير تنظر لي.

لستُ أدري. انها لا تتحدث ابداً.
لا تقلقي عليها يا صغيرة، انها على ما يرام. أخبرتها ابتسم لها لعلي اطمأنها هكذا لكنها ظلت تعابير القلق على وجهها اللطيف إلا انها طارت نحوي تجلس مع بلايز على كتفي.

واااا سيدتي! صاحَ الحارس يَمُد يديه في الهواء بأستسلام لكن استسلامه كانَ متأخراً لأنها ركلته على معدته توقعه من دون أن يُفلِت سيفه مثل الأخرين و هي بِسرعة وَجَّهت طرف السيف الحاد على رقبته تمنعه من التحرك ضدها.
أنتهى. قالت هي بِنصر ليومئ لها عِدة مرات ينهض كي يُغادر أو يهرب منها قبل وصول دور الحارس المنتظر المتوتر ذو الساقين الهلامية.

ضحكتُ بِخفة مع نفسي ثم قلتُ لها بِصوت مرتفع كي تسمعني لكوني بعيد عنها
كانَ يجب عليكِ ركل سيفه مِن قبضته لكي تُعلني نصرك.
حركَت رأسها باتجاهي و الحيرة واضحة على وجهها كأنها لم تعرف لِمَن يعود الصوت لكن عندما تقابلت عيناي بِعيونها، توَسعت خاصتها متفاجئة قبل أن تُشير لِلحارس القادم نحوها بالتوقُف.

ما الذي تفعله هنا، سموك؟ تساءلت تضع يداً على خصرها و أنفاسها قوية، صدرها يرتفع و يهبط من الأرهاق لكن يبدو أنها لن تتوقف أطلاقًا.
ابتعدتُ عن الجِدار ثم أخذتُ خطواتي بِبطء نحوها أبتسم لِلحُراس الذين أنحنوا من أجلي و على ملامحهم متوترة، شُكر لأنقاذي لهم، بعدها واجهتها مجيبًا
أصوات صرخاتكم و السيوف ضِد بعضها تملء ردهات القصر، و أنا أتيتُ لكي أشاهد.

ضَيّقت هي عينيها الحادة عليّ تنظُر لي مِن الأسفل للأعلى كما لو انها تُحاول كشف شيء ما لكنها ابتسمت تُشير لِلأرض مكان وقوع الحارس قبل لحظات قصيرة.
أنا فزت عليه حتى لو لم أخُذ سيفه من يده.
طرقتُ بِلساني على أسناني أشابك ذراعاي أنظُر لِسيفها يلمع أسفل نور الشمس، مقبضه مِن البرونز و في وسطه حجر أسود و في داخله لون قريب من البنفسجي يَظهر كُلما ضربه ضوء ما.

صحيح، لكن لو كانَ عدوك أبرع من الحارس لأستطاع الإمساك بالسيف و توجيه خاصته في معدتك و إنهائك في ثانية واحدة لأنَ يده التي ستُجرَح إثر إمساكه لِلسيف، سوف تشفى بسرعة.
آوه حقاً؟
أومأتُ لها أريح يدي اليُمنى على مقبض سيفي المُعلق على خصري.
أشارت هي بِسيفها الحاد على جنبها تبتعِد خطوة على الطرف الآخر لتقترح
لمَ لا تُريني كيف تتم هذه الخدعة؟

رفعتُ حواجبي عليها ليُقَهقِه كُلاً من إكسانا و بلايز على كتفي. رمقتهما بِنظرات جعلتهم يصمتوا لكنهم استمروا بالقهقهة الطفولية مِن وراء أياديهم قبل أن أخُذ موقعي مواجِهًا لِكانيلا لا أسحب السيف من حمالته بعد.
هل أنتِ متأكدة؟ قد تندمين على مبارزتي يا أنسة.
أبعدت هي شعرها المُمَوج عن كتفها ترفع سيفها قليلاً لِمستوى خصرها
لماذا تسأل؟ هل تخاف من الهزيمة، سمو الأمير؟

لو كان لِلسعادة فَم، لِتحدثت و ربما صرخت على نبرتها و هي تتحداني بِلهو و مرح. ما خضته البارحة لم يكُن لِيتركني و إلى الأن يغدو بِداخلي، بنى عشًا لِنفسه.

لكن رؤيتها هكذا، تبتسم و لها روح المُبارزة مع انها عانت الكثير في حياتها و الكدمة الشبه واضحة على وجنتها اليُمنى (تُخفيها بِقدر الأمكان بِمستحضرات التجميل)، جعلني كالطفل الذي ولد من جديد و تعلم أنَّ الحياة فقط لعب و ضحك، قبل أن يكبُر و يتعلم أكثر و يتعرف على أسرارها و ظلامها.
هذه الأمرأة مُقاتلة.
شجاعة و قوية و لم أرى أقوة منها من قبل.
لقد احترمتها أكثر مِن بعد أن عرفت عن ما واجهته.

أنها ما تزال تُقاتل ظلامها و مهما وقعت، تجدها تنهض لوحدها و لا تنتظِر أحداً لكي ينقذها.
لقد كبرت في عيني و أصبحت كل ما أرى.
ما بكَ توقفت؟ هل غَيّرت رأيك من الأن؟ أعادني سؤالها المُغيظ من فقاعة أفكاري لأرمش عليها ثلاث مرات أستعيد تركيزي عليها.
هَززتُ رأسي مع نفسي أسحب سيفي مِن حمالته أرسم بسمة تُظهِر أسناني أريها أنني بكل تأكيد لم أغير رأي و لو ذرة.

حلق الصغيران مِن على كتفي إلى مكان بعيد للِمشاهدة كما أنَّ بعض الحراس ظلوا أيضاً لكي يروا ماذا سيحدث و غيرهم عادوا إلى عملهم و حِراستهم.
رفعتُ مِن سيفي ألفه في يدي بأحترافية عِدة مرات لتُشقلب هي مُقلتيها تجعلني أضحك.

كفاكَ تباهي. تمتمت هي تهجم أولاً عليّ لأستدير من حولها أتفادى الضربة أصبح خلفها مُستعد لِركلها على ساقيها لكنها قفزت في الهواء إلى يساري لتتدحرج على الأرض و تقف على ركبة سيفها مرفوع ورائها.
لديكِ ردة فعل سريعة و ممتازة. أخبرتها مُنبهر لتنهض على ساقيها تُنظِف غباراً غير موجود على كتفها.
كنتُ أصل لِموعد تدريبات على الوقت و من دون تأخير و كسل. ردت هي بِتفاخر لأهجُم عليها لا أدعها تكمل أو تفكر بِشيء.

وَجَّهتُ ضربة على بطنها لتَصُدها هي بأخِر نفس، بِنفس الثانية وَجَّهتُ ضربة مجدداً على رأسها لكنها كانت ذكية، ابتعدت عن سيفي ليَصطدِم بِالجدار منه تكسرت قطعة تتناثر على الأرض.
أوف، الهذه الدرجة؟ سألتُ كانيلا لاغمِز لها و أوَجِّه ضربة أخرى نحوها.

مِن جديد، صدتها بِكل أحترافية ثم دفعتني لِلجدار حتى ارتطَم ظهري به لتُكمل هي بِضربة ثانية لكني ألحقتُ بِنفسي أتفاداها بِسيفي لِتَخرُج شرارة زرقاء عند تلامُس السيفين بيننا.
رأيتكِ تقاتلين مِن قبل لكني لم أكُن أعرف كم انكِ ذات عزم صُلب. أخبرتها من بين أنفاس هائجة أحاول فيها تهدئة نبضات قلبي المُتسارعة فَمِن غير المعتاد إرهاقي القريب مع انني لم أفعل شيئًا بعد.
ربما لأنكَ تبارزها هي؟
سأل صوت بِداخلي.

ابتعدت كانيلا عني تُعطيني مساحة تشقلب سيفها بِيدها على شكل دائرة مرتين كما فعلت سابقًا ثم ردت
هل نسيتَ أنني أكبرُ منكَ سنًا؟ لديّ سنين طويلة خبرة و ما زلتُ أتعلم أكثر بِعكسكَ أنت.
تتكلمين و كأنكِ في السبعون من عمرك.
هزت هي كتفيها تبتسم لأرفع حاجب واحد أذكُر أمر قد نسيتُ سؤالها عنه من قبل.
بالمناسبة، كم عمرك؟ فأنتِ لم تخبريني ابداً مع انكِ تبدين في العشرون.

لقد توقفتُ عن النمو في الثالثة و العشرون من عمري لكني بِنفس سن تاليا، لهذا أحسبها لِوحدك.
ماذا؟
ما الذي يعني أنها توقفت عن النمو؟ هل هي مِن الجنيات الأن؟
لكن أذُنيها بشرية و لا يبدو انها مُتحولة ابداً.
سر جديد...
سحقًا!
و ربما هي تكون من المتحولين لكنها لم تقول يومًا و مع ذلك كيف؟ و لماذا؟

فتحتُ فمي لكي أتذمر لأني لا أريد أن أحسب لكنها تهجمت تمنعني من التفوه بِحرف لأتشقلب في الهواء مِن فوقها أصبح خلفها أوَجِّه سيفي على رقبتها لكنها رفعت سيفها بِسرعة تصُد الضربة لِلمرة الخامسة؟ فأنا لم أعُد أحسب.
أردتُ الإمساك بِيدها لكي أسحبها إليّ و أفلِت منها السيف لِتتصرف قبلي تلتَف لي تُمسك بِياقة قميصي كي تسحبني إليها.

ظننت انها سوف تتوقف هنا، لكنها فاجأتني عندما ابتعدت على جنب ما تزال مُمسِكة بِياقتي لتدفعني على الجدار و سيفها يَكاد يُلامس وجهي إلا أنني صدتتُها بِسلاحي ليُصبح بيننا السيفين ضِد بعضهما.
رفعتُ مِن نظري عليها أجد أنَّ وجهها قريب من وجهي مسافة أصبع صغير، أنفاسها القوية تضرب شفتي و رقبتي بما أنها أقصر قامة مقارنةً بي.

صدرها يلامس صدري و فجأة رائحة الياسمين كل ما أشتمه و أتنفسه لكن تعابير وجهها حادة، قاسية بِعكس ما كانت عليه قبل قليل. عينيها فيها عتمة، ضوئها لا وجود له، نور الشمس و السماء لا تؤثر عليها و لا تملئها ابداً.

تحدق بي و كأنها تتخيلني شخص آخر، و كما ظهرت هذه الأشياء على وجهها، اختفت بِلمح البصر لترمِش مرتين تنظُر لي بِحق، يعود صفاء بصرها من جديد، لأعلم أنها كانت شاردة، ضائعة في أفكارها التي تَغرُز مخالبها في دماغها و مخيلتها.
كانيلا؟ همست اسمها لتَحُط بِمُقلتيها عليّ.
هل مِن خطب؟ سألتها أضع يدي الفارغة على ظهرها أسمع دقات قلبها قوية من مكاني إلا انها بدت هادئة و ساكنة جداً.

لم تجبني و استمر بالتحديق و الرمش. أنا دفعتها باليد التي على ظهرها إليّ أكثر حتى تلامست أنوفنا و هي لم تتحرك أو تُبعدني عنها كما كانت دوماً تفعل، أدهشتني بِثبوتها بين يداي مع أنَ سيوفنا بيننا.
أخبريني ما بكِ. قلتُ لها و صوتي منخفض جداً كي لا يسمعنا مَن هو قريب مع أني انتبهت أنَّ الحُراس أختفوا و يوجد فقط الصغيران لكنهما بعيدان عنا.

مرة أخرى لم تُجبني لكنها بدأت بِمضغ شفتها السفلية لأراقبها بِقلق و أتركها في صمتها مِن دون الضغط عليها، فَفي الحقيقة أعتدتُ على سكوتها و تعلمت أنني مهما حاولت إن لم توَد التكلم، فَلن تتكلم على الإطلاق.
و مع كل هذا، لا أريد أن أتركها مع أفكارها لهذا مسحتُ على ظهرها بِحركات رقيقة أرفع يدي للأعلى حتى وصلت إلى رقبتها لأمسك بِها مِن خلف شعرها أشعُر بِجلدها دافئ لِلغاية أسفل يدي.

هل سوف تكون حاضراً معنا في مملكة شادونايت؟ سألتني هي تنزل من سيفها لأفعل أنا المِثل أقف مستقيمًا من دون افلاتها.
لم أستوعب سبب سؤالها الغريب الذي خرج مِن لا شيء لكني أومأت على أية حال لأجيب
بالطبع، أنا الذي أقترح ذهابنا إلى المملكة من الأساس، فَتواجُدي مهم، لماذا تسألين؟
أشاحت بِعينيها على صدري قائلة
لا سبب معين بَل فضول و لكي اتأكد.
من ماذا؟

لم ترُد و فَضَّلت الصمت لأسحب نفسًا إلى صدري أملء فيه رئتاي بالهواء قبل أن أزفره بِلُطف لِتتحرك خصلات حريرية مِن شعرها أجعل انتباهها عليّ مجدداً
يدي ستظل مَمدودة اليكِ إلى أن تُمسكِ بها و لو أخذ مني طوال حياتي ليكُن بِعلمك.
توَسعت عينيها بِخفة أحِس بأن أنفاسها توقفت لِلحظة لكنها عادت مجدداً و على شفتيها الممتلئة الوردية بسمة صغيرة مُعدية لأضَع مثلها على فمي.

لم أكُن أتوقع منها القادم لأنها فجأة أقتربت أكثر مِن وجهي تتخطى المسافة التي بيننا لِتضع قُبَّلة على وجنتي و هي تقول
أعلم فالكين، أعلم.
شفتيها المرطبة، الدافئة الناعمة تركت أثراً لطيفًا على جلدي بعد القُبَّلة، لتبتعد عني تُرجِع سيفها في حمالته على خصرها لا تزال مبتسمة.
أعلم. رددت هي مِن جديد تأخُذ خطواتها إلى الخلف مِن دون كسر عينيها عني.

أنحنيتُ لها واضعًا يدي على صدري فوق قلبي ثم استقمتُ أجدها تستدير لكي تغادر و تدعني لوحدي في الساحة. شاهدتُ أنا ظهرها و هي تمشي مع مرافقتها التي لوَحَت لي بيدها الصغيرة ثم جلست على كتفها.
ماذا كان هذا؟ تساءل بلايز عندما وصل لي يُشاهدهُما معي ليختفوا خلف جدران الردهة.
وعد. أجبته هامسًا لينظُر لي كما لو أنه ينظُر على أحجية مُعقدة ما.

- وجهة نظر ثالثة -
أتت فينار إلى جانب شقيقها الذي يقف على شُرفة إحدى الردهات المُطِلة على ساحة التدريب، تجد شقيقها شارد الذهن يضع يديه خلف ظهره تلاحظ أنَ لحيته نَمَت أكثر مِن قبل و انها تحتاج حلاقة.
لتنظُر هي كذلك على الساحة ترى البشرية تمشي بعيداً مع مرافقتها ذات الشعر الطويل البرتقالي و في الجهة الأخرى من الساحة، يقف الأمير مع مرافقه ذو القبعة الخضراء و هُما يشاهدان الأثنين.

أشاحت بِعينيها المُلونة على شقيقها الملك قبل أن تُخبره
إما معًا و إما فَلا ابداً.
حرك الملك رأسه باتجاه شقيقته الصُغرى عينيه مُضَيّقة عليها
ما الذي تعنينه؟
تنهدت هي بِخفة تُعيد عينيها على الساحة الأن ترى الأمير متوجهًا إلى الردهة التي في الأسفل
هو نصفها الآخر و إن لم يُصبحوا واحداً فقد يكون فات الأوان.
توَسعت عينين الملك كَعيون الأميرة ثم استدار اليها كاملاً و على وجهه الآمل.

و هل فوات الأوان أقرب مِن ما نظنه؟
لا يبدو عليكَ التفاجئ من المعلومة شقيقي العزيز، مَن أخبرك؟
ابتسم فالين بِحزن يواجِه إطلالة الشُرفة الصغيرة، يَذكُر كلام مستشاره المسكين الذي يُعاني مِن حقيقة أنه لن يعيش كما تمنى مع الشخص الذي يُحبه بِحق
لا يهم مَن أخبرني، ما يهم هو أنَّ الضباب غادر و ظهر الطريق بأوضح صورة.

ماذا يمكننا فعله عدا الوقوف و المشاهدة؟ أنتَ تعلم أنَّ تدخُلنا سوف يَخلُق مشاكل و تعقيدات كما حذرتنا الساحرة.
أومئ فالين متفهمًا كلامها جيداً لانه كانَ متواجد عندما تكلمت الساحرة قبل سنوات فَهو يذكُر ذلك اليوم بِتفاصيله المُمِلة و المؤلمة و لا يمكنه مهما حاول، نسيانها.
تأفأف ملك الربيع قائلاً
لستُ أدري. مَن عليه فعل شيء هو الأمير و إن عرف بِوقتٍ أقرب يكون أفضل.

أخرجت الأميرة صوتً مِن حلقها بدى كالضحكة الساخرة لتُضيف تمسك بِدرابزين الشُرفة بِشدة حتى تحولت مفاصلها لِلبيضاء
على ما يبدو أنَّ الأمير لن يعرف بأي وقتٍ قريب.
رفع هو حواجبه للأعلى لا يستوعب ما سمعه ليَسألها
و لمَ ذلك؟
لأنَها ترفُض أخباره مع انه يُحاول كثيراً معرفة الحقيقة و هي تهرب منها أمامه لِسببٍ حتى أنا لم أفهمه بعد.
لقد تحدثت معكِ عن الموضوع؟

ضغطت الأميرة الشقراء بِأصبعها السبابة والإبهام على جسر أنفها تُخَفِف من صداع بدأ بالتَشكُل في مُقدمة رأسها و بين عينيها قبل أن ترُد
نعم، و مع ذلك لم أفهم هدفها من إخفاء أسرارها عنه مع أنه منقذها الوحيد.
عَم صمت بينهما بسيط، كلاهما ضائعان في أفكارهما. واحد منهم قلق و الآخر خائف لكن القلق منهما قرر كَسر الصمت بِكلامه الحكيم يُزيح حمل صغير عن الخائف منهم.

إن الأسرار هي ما تُساعدنا على العيش فَكم خسر مَن لا سِر له.
التفت بعدها إليها ثم أقترب منها مُمسِكًا بِكِلا كتفيها بِلُطف يرسم بسمة جذابة على شفتيه
هي تعلم متى و أين يجب إفشاء سرها له فَلكل شيء وقته جيد إن كان أو سيء.
و ماذا لو تخطت الوقت؟
زفر هو الهواء مِن أنفه ينظُر للأرض قليلاً قبل أن يرفع نظره عليها مُجيبًا.

حينها تكون هي الخاسرة أو أنها مِن الأصل تبحث عن هدف جديد لا يتعلق بِما لديها فَهي مرت بِمراحل غيرها لن يتحملها و ربما تخطتها و لم تعُد تنظُر لِورائها.
و هل هذا الأفضل؟
عَضَ الملك على شفته السُفلية يدع أكتافها كي ينظُر لِلجبال في الأفق، جبال مُغطاة بالأخضر و بينهما تجري شلالات و أنهار براقة كما لو أنَّ نجوم النهار أو لؤلؤ يجري مع مياهها.

كل شخص يعرف مصلحته أكثر من غيره و هي أنسانة عاقلة و أصبح لديها خبرة في الحياة حتى لو كانت في عمر صغير، فالعمر لا يُحَدِد عقل الشخص و شخصيته.
هَمهَمت الأمير توافق شقيقها الكلام، تلتفت لِلجبال و الأنهار مثله لتُشابك ذراعها اليُسرى بِذراعه اليُمنى تضع رأسها على كتفه.
مهما كانَ قرارها يجب علينا الوقوف معها. تَمتَمت هي له.

قَبَّل هو رأسها مِن الأعلى مبتسمًا بِصمت، فَصمته إجابة لوحدها كافية على مئة سؤال علق بينهما في الهواء و طار بعيداً بعدها إلى الغيوم و النجم الكبير الدافئ في الأعالي.

الفصل التالي
بعد 19 ساعة و 15 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب